الصيــــــن والتغيــــرات في العالم الإسلامــــي
د. محمد نعمان جلال
بدعوة من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية والأكاديمية الآسيوية للثقافة بالولايات المتحدة، عقدت ندوة دولية مهمة في الصين شارك فيها خبراء وباحثون وسفراء سابقون من الصين والولايات المتحدة ومصر وفلسطين واليمن وسنغافورة لبحث التغيرات الجارية في العالم الإسلامي. وشارك من مصر ثلاثة من الدبلوماسيين المصريين أثنين من المتقاعدين، حيث شاركوا بصفة شخصية لخبرتهم في الشؤون الصينية والقنصل العام المصري في شنغهاي.
لم يكن إبراز ذلك من المشاركين المصريين فحسب، بل من الخبراء من اليمن وفلسطين أيضاً، بل اهتم الآخرون بضرورة عودة الدور المصري وأهمية النموذج الثوري المصري، وأكد ذلك الباحثون الصينيون والأمريكيون مما يعد إجماعاَ دولياً من المشاركين على أهمية مصر ودورها المحوري في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
كنت متحدثاً رئيساً في الجلسة الأولى للمؤتمر، حيث قدمت بحثاً علمياً بعنوان: (دراسة اجتماعية اقتصادية سياسية للثورات العربية: دراسة عن حالة مصر)، حيث قدمت تحليلاً للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية بوجه عام والتي تمثلت في ثلاثة مظاهر: أولها: تهميش سياسي دولي للمنطقة وزيادة المطامع الأجنبية بها.
ثانيها: تهميش اقتصادي واجتماعي للطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة وسيطرة 5٪ من السكان على حوالي 70٪ من الثروات العربية خاصة في مصر. ثالثها: تهميش سياسي للمجتمع بقواه المتعددة وخاصة دور الشباب في المشاركة في العمل السياسي وقمع الطبقة المتوسطة وسيطرة نخبة حاكمة صغيرة على السياسة والاقتصاد، وبل على الحياة الاجتماعية والثقافية وخاصة في الدول ذات النظم الجمهورية، حيث أخذ كل رئيس جمهورية يعد ابنه لخلافته، وبرزت طبقة طفيلية من المثقفين ورجال القانون والسياسة والإعلام لتبرير ذلك لمصالحهم الشخصية خروجاً على دورهم الطبيعي في المجتمع كقوة تعبر عن ضمير الشعب، وتراقب أداء السلطات الأخرى.
كما تحدث السفير عبدالفتاح عزالدين القنصل العام الأسبق في شنغهاي عن ثورة مصر وآثارها في الإقليم وفي العالم، حيث أبرز تردد صدى وشعارات تلك الثورة في الشعارات التي رفعت في دول أخرى بالمنطقة، وخاصة شعار ''إسقاط النظام'' مع تطوير بعضها بما يتلاءم مع كل دولة ظهرت فيها هذه الثورات.
أما القنصل العام المصري في شنغهاي هشام شعير فقد أشار للانقسام الاقتصادي وتزاوج السلطة والثروة وانتشار الفساد، وهو ما أفقد النظام شرعيته.
الخبراء الأمريكيون من عدة جامعات أمريكية عبروا عن اهتمامهم بمتابعة أحداث المنطقة وتطلعهم إلى أن تؤدي هذه الثورات لحياة أفضل للشعب العربي.
الخبراء والسفراء الصينيون ركزوا على موقف الصين القائم على ثلاثة مبادئ، أولها: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وثانيها: الأمل أن تحقق هذه الثورات مصلحة الشعوب العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وثالثها: القلق من محاكمة قيادات مصرية أدت دوراً مهماً في تاريخ البلاد، وكانت على علاقة طيبة مع الصين وبخاصة الرئيس السابق ''حسني مبارك''، مؤكدين في نفس الوقت حق الشعب المصري في اختياره قادته دون تدخل أجنبي.
كما أكد الخبراء الصينيون بقوة على حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، ونددوا بالسياسة الإسرائيلية وبالسياسة الأمريكية المؤيدة لها، وقد شاركهم في هذا الموقف الخبراء العرب سواء المصريون أو اليمنيون وبالطبع الفلسطينيون.
بعض الخبراء الأمريكيون كانوا مؤيدين لمبدأ الدولتين ''فلسطينية وإسرائيلية''، وإن انتقد بعضهم على استحياء اللهجة القوية لبعض الخبراء الصينيين بالنسبة لنقد السياسة الأمريكية واتهامها بازدواجية المعايير.
الخبراء المصريون أوضحوا لنظرائهم الصينيين أهمية التمييز بين حسني مبارك كرئيس سابق له إنجازات ولكنه أيضاً له أخطاء كبرى، وكذلك عدم إمكانية مقارنة موقف الصين من الزعيم ماوتسي تونج وموقف مصر وثورتها من الرئيس حسني مبارك، وإن مبارك كان رئيساً وليس زعيماً، والمقارنة الصحيحة هي بين ماوتسي تونج وجمال عبدالناصر وكلاهما كان زعيماً كارزماتياً وكانت له إنجازاته العظيمة والتاريخية كما كانت له أخطاؤه.
أما حسني مبارك فكان رئيساً أخطاؤه أكبر من إنجازاته سواء داخلياً أو خارجياً، أو توجهه لتحويل مصر لمصلحة وراثة السلطة في نظام جمهوري ولمصلحة سيطرة رجال الأعمال وانتشار الفساد بصورة غير مسبوقة، وزيادة معدل الفقر وتخلف الجامعات والبحث العلمي، وتراجع دور مصر الإقليمي والدولي، ومقارنة ما حدث بمصر على مدى ثلاثين عاماً من حكم مبارك بما حدث من تقدم في تركيا أو في ماليزيا في سنوات قلائل من حكم أوردغان أو من حكم مهاتير محمد، ولا يمكن حسبانها لمصلحة مبارك بل يدرك الجميع جسامة أخطائه في حق بلاده وشعبه.
تميزت الندوة بنقاش اتسم بالحيوية في التعبير عن مختلف الآراء والأفكار عن أوضاع الدول الإسلامية، والغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، وتدخل الناتو في ليبيا، وكذلك نقد للأوضاع في إيران والدول العربية كما وردت إشارات عن الانتفاضات المحدودة في دول الخليج العربية ومقارنة بين أوضاع الدول ذات النظم الجمهورية التي حدثت بها ثورات أطاحت بأنظمتها، أو تطورت لحرب أهلية، والنظم الملكية التي حدثت فيها انتفاضات تم التعامل معها بسرعة، وأدى ذلك لإعادة الاستقرار في تلك الدول وسيطرة النظم الحاكمة واعتمادها على الثروات النفطية لإرضاء تطلعات شعوبها نحو الرفاهية الاقتصادية، وكذلك اتجاهها للانفتاح السياسي المعتدل والتدريجي.
باختصار، كانت الندوة مفيدة للغاية في حرية التناول والتفكير وتبادل الآراء، وكما هي العادة حرص الإعلام الصيني على المتابعة بالتواجد والكتابة باللغة الصينية وهو ما يجعل غير المتحدثين بها من الصعب عليهم معرفة كيفية التغطية الإعلامية الصينية.
وكان من أبرز المتحدثين الرئيسين في الندوة السفير ووسيكا المبعوث الصيني للشرق الأوسط الذي قدم عرضاً مستفيضاً لسياسة بلاده ومواقفها تجاه القضايا العربية والإسلامية وفي مقدمتها قضية فلسطين.
افتتح الندوة نائب رئيس جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، ورئيس مركز دراسات الشرق الوسط في الجامعة البروفيسور المستعرب المخضرم ''جو وي ليه'' المشهور باسم ''عبدالجبار'' وهو القوة الرئيسة وراء عقد تلك الندوة.
الندوة كانت ذات صبغة تجمع بين الرؤى السياسية والرؤى الأكاديمية، ومن ثم تعددت الآراء والأفكار بخلاف ندوات في بعض الدول العربية التي عادة تتأثر بالتوجهات السائدة في لحظة انعقادها، فتركز على محاسن ما قبل الثورة أو على سيئاتها، ولا تسمح بتعدد وتنوع حقيقي في الآراء كما حدث، فيما أطلق عليه الحوار الوطني في مصر وسوريا وغيرها.
اتسمت الندوة باهتمام كبير بالوضع في مصر والقلق على المستقبل، وتساؤلات حول مدى الاستقرار ونوعية التوجه المستقبلي ودور القوى الإسلامية، وهل هي مؤمنة بالديمقراطية الحقيقة ودور القوات المسلحة ودور رجال الأعمال والاستثمار الأجنبي ودور القوى الكبرى الأجنبية في تحريك الثورة، وغير ذلك من الأطروحات.