الصفحة الأولى > الصين والعالم العربي
المضامين التحريرية لمقابلة صحفية يجريها برنامج "الحوار" من القناة الدولية باللغة العربية لـCCTV مع مساعد وزير الخارجية تشاي جيون
2009/10/02

س: هذه السنة تصادف الذكرى الـ60 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، فخلال هذه المدة، شهدت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية تطورا كبيرا، فيزداد التواصل وتتوطد الصداقة التقليدية ويتعمق التعاون في جميع المجالات بين الجانبين. ففي البداية، أرجو أن تقدم لنا استعراضا ملخصا لمسيرة إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والبلدان العربية.

ج: شكرا على هذا التقديم. وأنا سعيد جدا بأن أكون هنا في هذا البرنامج، برنامج الحوار. وأهنئكم أولا بافتتاح هذه القناة – القناة العربية لـCCTV، وأتمنى لكم كل التوفيق والنجاح، بما يساهم في تعزيز التفاهم والصداقة الصينية العربية.

أما بالنسبة إلى سؤالكم، فكما تعرف أن العلاقات العربية الصينية علاقات هامة، والعلاقات الصينية العربية الدبلوماسية هي بالذات مرت تقريبا بأربع مراحل منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية. وكما تعرف أن العلاقات العربية الصينية جذورها قديمة، ضاربة في أعماق التاريخ. وطريق الحرير المشهور ربط الشعبين الصيني والعربي منذ القدم. وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، دخلت العلاقات فعلا إلى مرحلة جديدة.

فكما قلت قبل قليل، إن المرحلة الأولى لهذه العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، فكانت في الخمسينات من القرن الماضي، خاصة بدأت هذه العلاقات بالمقابلات ما بين رئيس مجلس الدولة الصيني تشو آنلاي وبعض الزعماء العرب على هامش مؤتمر باندونغ في سنة 1955. وبعد هذه المقابلات التاريخية، في سنة 1956، بادرت بعض الدول العربية مثل مصر وسوريا واليمن بإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين. ثم بعض البلدان الأخرى مثل العراق والمغرب والجزائر والسودان أقامت العلاقات مع الصين. فتعتبر هذه الفترة الذروة الأولى من قيام العلاقات الدبلوماسية ما بين الصين والدول العربية.

أما المرحلة الثانية فهي في الستينات من القرن الماضي، وفي هذه الفترة، اعترفت الصين كأول دولة غير عربية بمنظمة التحرير الفلسطينية كالممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وقامت بين جانبينا وبين الشعبين الصيني والفلسطيني الصداقة العميقة جدا، الصداقة الكفاحية في هذه الفترة. وبهذا التصرف عرفت الدول العربية أن الصين من البلدان المؤيدة للقضايا العربية العادلة وبلد صديق وموثوق به.

أما المرحلة الثالثة فكانت في السبعينات من القرن الماضي. وفي هذه الفترة، قامت العلاقات الدبلوماسية بين الصين وبعض البلدان العربية مثل الكويت ولبنان والأردن والخ. وأهم الحدث التاريخي في هذه الفترة، هو استعادت الصين المقعد الشرعي في الأمم المتحدة. ولا بد أن أقول أن الدول العربية لها دور كبير في هذا العمل، وخاصة الجزائر. الشعب الصيني كل يعرف تقريبا أن الجزائر من الدول الراعية لمشروع القرار المعني لعودة الصين إلى الأمم المتحدة. وتقريبا ثلثا الدول العربية كانت صوتت لصالح الصين في هذا الحدث التاريخي.

أما المرحلة الرابعة فهي فترة ما بعد بدء عملية الإصلاح والانفتاح في الصين. وفي هذه الفترة، هناك بعض دول الخليج العربية أقامت العلاقات الدبلوماسية مع الصين مثل الإمارات وقطر والبحرين. وأخيرا في سنة 1990، تم تبادل الاعتراف الدبلوماسي ما بين الصين والمملكة العربية السعودية، وبذلك قامت العلاقات الدبلوماسية بين الصين وجميع الدول العربية البالغ عددها 22. 

 

س: السيد مساعد الوزير، أثناء مسيراتكم الدبلوماسية، كنتم تقيمون في كثير من الدول العربية، ترافقون قادة الصين في زيارة الدول العربية العديدة، وأنتم كمسؤول في وزارة الخارجية الصينية، شاركتم في تظاهرات دبلوماسية مهمة، فمن هذه التظاهرات، أيها ترك لكم انطباعا أعمق؟

ج: في الحقيقة، هناك أحداث كثيرة تركت لي انطباعات عميقة في سجل العلاقات الصينية العربية، وفي الزيارات المتبادلة بين الصين والدول العربية.

فمثلا، خلال زيارة الرئيس هو جينتاو لجمهورية السودان في فبراير 2007، أنا كنت شاركت في هذه الزيارة، وفعلا الزيارة أعطتني انطباعا عميقا جدا. كما تعرف كان ضمن برنامج الزيارة، زيارة لمصفاة الخرطوم، وهذه المصفاة بُنيت بالتعاون بين الصين والسودان، وتعتبر ثمرة من ثمار التعاون على أساس مبدأ المنفعة المتبادلة. هناك مسافة بين مدينة الخرطوم والمصفاة، تقريبا عشرات كيلومتر، وموكب الرئيس لا بد أن يمر بقرى كثيرة على الطريق. كلما مر الموكب بقرية وجدنا الجماهير الكثيرة على جانبي الطريق. وهناك مزامير وطبول وزغاريد، وكما تعرف أن العرب لديهم الأصالة العربية لاستقبال الضيوف هي ذبح الحيوان. وأكبر الحيوان هو الجمل. كلما نمر بقرية، نجد أن جملاً سقط، مذبوحا لاستقبال الرئيس هو جينتاو. وحتى الآن، هذا المشهد ترك في نفسي انطباعا شديدا وعميقا. وعندما أتحدث عن هذه الزيارة، فأذكر أن الجمال مذبوحة على الطريق من الخرطوم إلى المصفاة.

وهناك أمثلة كثيرة مثيرة فعلاً. في السنة الماضية، نحن الشعب الصيني تعرضنا للزلزال الشديد في مقاطعة سيتشوان، وبادرت بعض الدول العربية حكومة وشعباً فور هذا الزلزال التعبير عن مشاعرهم التضامنية والودية تجاه شعبنا وبلدنا. وقدمت لنا كثيراً من المساعدات المالية والمادية التي تبلغ قيمتها 730 مليون يوان الصيني تقريباً. وهذا المبلغ يعتبر 90% من المساعدات الإجمالية التي تقدمها الحكومات الأجنبية للصين. قد لا يعرف كثير من الناس أن الدول العربية هي التي قدمت الأكثر والأغلبية من المساعدات الخارجية فور الزلزال. وهذا الشيء أيضاً طيب جداً ولفتة طيبة تجاه الشعب الصيني من قبل الدول العربية وشعوبها. ونذكر أيضاً أن في تلك الفترة (مايو 2008)، كانت هناك الدورة الثالثة للاجتماع الوزاري في إطار منتدى التعاون الصيني العربي التي عُقدت في المنامة عاصمة البحرين. وفي الجلسة الافتتاحية للاجتماع، وقف جميع الحضور من الوزراء دقيقة حداداً على الضحايا الصينيين من جراء هذا الزلزال. وهذا المشهد أيضاً مثير ولا يُنسى لا في ذهني ولا في نفسي.

 

س: إن وضع الشرق الأوسط حيث تقع الدول العربية متدهور منذ مدة طويلة، وقد أثر على العالم. فالصين، كعضو دائم في مجلس الأمن، كيف ترى دورها في شؤون الشرق الأوسط؟

ج: نحن في الصين وطبعاً الصين بعيدة عن الشرق الأوسط، ولكننا قريبون من هذه المنطقة نفسياً. نتابع عن كثب كل تطورات الأوضاع في هذه المنطقة، وكعضو دائم في مجلس الأمن، نلعب دائماً دوراً إيجابياً في شؤون هذه المنطقة. ويمكن أن نقول إن دور الصين يتمثل في 4 أبعاد.

أولاً، دعم الاستقرار. نحن دائماً ندعو إلى تحقيق السلم والاستقرار في هذه المنطقة، ولا نحبذ أي خطوة من شأنها تصعيد الوضع هنالك.

ثانياً، نسعى أو ندعو دائماً إلى التمسك بطريق الحوار لحل المشاكل هناك. نرى أن طريق الحوار والمفاوضات هو الطريق الوحيد لحل المشاكل. والحرب والقوة العسكرية لا تحل أي مشكلة نهائياً.

ثالثاً، نسعى إلى تحقيق التنمية المشتركة. نرى أن النمو الاقتصادي يشكل أساساً لإحلال السلام والاستقرار في هذه المنطقة.

رابعاً، ندعو إلى الحوار الحضاري. تعرف أن منطقة الشرق الأوسط منطقة المشاكل. ولكن منطقة الشرق الأوسط تعتبر أيضاً ملتقى للحضارات المختلفة. هناك حضارات أصيلة لهذه المنطقة. لذلك نرى دائماً أن الحضارات المختلفة يجب ألا تكون مصدر القلق والمشاكل، بل يجب أن تكون مصدراً للقوة الدافعة للتطور والنمو والتقدم.

هذا هو تلخيص للدور الصيني الذي يشمل 4 نواحي في هذه المنطقة.

 

س: في وقتنا الحاضر، تمر عملية السلام في الشرق الأوسط بمرحلة حاسمة. فكيف ترى الصين آفاق حلها وما هي مواقف وأدوار الدول العربية؟ وكيف تقوم الصين بتحريك مسيرة السلام في الشرق الأوسط؟

ج: في الحقيقة أن مشكلة الشرق الأوسط ظلت دون حل لفترة طويلة. ونحن حقيقة قلقون جداً لما جرى ويجري هناك. لكن في الفترة الأخيرة، نجد بوادر إيجابية في الشؤون المحلية في المنطقة. كما تعرف أن الوضع في المنطقة مهم جداً ليس فقط للدول الواقعة في هذه المنطقة وشعوبها فحسب، بل وينعكس على ما جرى ويجري في المنطقة إيجابياً أو سلبياً على العالم كله. لذلك فالوضع هناك مهم جداً. وفي الفترة الأخيرة، نجد أن الأطراف المعنية في هذه المنطقة أظهرت بعض النوايا لاستئناف عملية السلام أو المفاوضات السلمية. نرى أن هذا شيء مشجع وطيب جداً. ونأمل من جميع الأطراف في هذه المنطقة أن تظهر النوايا الصادقة والمرونة للدخول إلى جولة جديدة من المفاوضات السلمية لتحقيق التقدم لمسيرة السلام في الشرق الأوسط. ونرى أن مسيرة السلام أو المفاوضات السلمية في المنطقة يجب أن تكون مبنية على بعض المراجع. هناك مراجع هام تعتبر أسس للمفاوضات السلمية القادمة مثل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ومبدأ "الأرض مقابل السلام" و"مبادرة السلام العربية" وخطة "خارطة الطريق". الدول العربية هي الأطراف المعنية الرئيسية لقضية الشرق الأوسط. كان الموقف العربي في هذه المرحلة موقف طيب. مبادرة السلام العربية التي تبنتها القمة العربية الـ14 عام 2002 تدل على أن الدول العربية تلتزم بالسلام الشامل كالخيار الاستراتيجي.

 

س: عندما نذكر التعاون الصيني العربي، من الطبيعي أن نذكر منتدى التعاون الصيني العربي، سمعنا أن هذا المنتدى تم إنشاؤه أثناء ولايتكم كمدير عام لإدارة غربي آسيا وشمال إفريقيا، هل يمكنكم أن تتحدثوا عن إنجازات المنتدى منذ إنشائه، وكيف تتطلعون إلى مستقبل المنتدى؟

ج: صحيح، شهدتُ نمو هذا المنتدى منذ عام 2004، أذكر جيدا أنه في يناير عام 2004، أعلن الجانبان الصيني والعربي إنشاء منتدى التعاون الصيني العربي في أثناء زيارة الرئيس هو جينتاو إلى مقر الجامعة العربية في القاهرة، هذا شيء جديد. خلال أكثر من خمس السنوات الماضية، هذا المنتدى ترعرع وتحول من مجرد فكرة إلى آلية فعالة ومنبر جيد جدا وهام للحوار الجماعي بين الصين والدول العربية وإطار لإرشاد التعاون الصيني العربي في جميع النواحي. فعلا، في إطار المنتدى، نحن أنجزنا كثيرا. حتى الآن عُقدت بالنجاح ثلاث دورات من الاجتماع الوزاري وست دورات من اجتماع كبار المسؤولين والمشاورات السياسية الجماعية حول القضايا الهامة ذات الاهتمام المشترك. بالإضافة إلى ذلك، المنتدى نفسه تنوع وتوسع إلى مجالات مختلفة، من ثم أنشئنا 11 آلية لإرشاد مجالات التعاون الصيني العربي مثل مؤتمر رجال الأعمال وندوة الاستثمارات وندوة الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية وآلية التعاون الصيني العربي في مجال حماية البيئة ومؤتمر الصداقة الصينية العربية ومؤتمر التعاون الصيني العربي في مجال الطاقة وندوة التعاون الإعلامي الصيني العربي وآلية المهرجان الثقافي وآلية تطوير الموارد البشرية وغيرها. نحن في الأول لم نتصور أن المنتدى سيتحول إلى هذا الحجم وإلى هذا الشكل، مسيرة التطور فعلا فوق توقعنا، هذا شيء يسرنا كثيرا. أنا شخصيا متفائل جدا لمستقبل هذا المنتدى. أرى أن المنتدى سيلعب دورا متزايدا في تطوير علاقات الصداقة والتعاون بين الصين والدول العربية في المستقبل.

 

س: كيف ترى العلاقات التجارية والثقافية والتعليمية بين الصين والدول العربية؟

ج: التعاون الصيني العربي في مجالات الاقتصاد والتجارة والتعليم والثقافة تعاون مثمر. أقول لك مثلا في مجال التجارة، في وقت إنشاء المنتدى، كان حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية 36,7 مليار دولار. في السنة الماضية وصل الحجم إلى 132,8 مليار دولار. هذا تطور كبير.

في مجال التعليم العالي، هناك تبادل مكثف للطلبة الوافدين والأساتذة. مثلا، بلغ عدد الطلبة العرب الذين يدرسون في الصين بالمنح الدراسية الحكومية الصينية 1127 عام 2008، أسست 24 جامعة في الصين قسم اللغة العربية. إضافة إلى ذلك، أنشأنا 7 معاهد أو مراكز كونفوشيوس في الدول العربية. فهناك تبادل وتواصل مستمر ومكثف في هذه المجالات بيننا.

 

س: كيف تتطلعون إلى اتجاه ومستقبل العلاقات الصينية العربية؟

ج: بين الصينيين والعرب صداقة عميقة وعلاقاتنا جيدة أيضا. أنا متفائل جدا لهذه العلاقة والتعاون بيننا. أنا واثق بأن التعاون بيننا سيتوسع ويتعمق في جميع المجالات، لأن هذا التعاون بالأساس يخدم مصالح جميعنا ويخدم تقدمنا وتطورنا.

إلى الأصدقاء:   
طباعة الصفحة